رأيتها من بعيد تلتفع بالسواد وكأنها مرآة للبؤس ترى فيها منفضة للألم، بين تجاعيد وجهها ترى جروح الزمن وظهرها قد انحنى من ثقل المحن. أتيت إليّ كما وكأنها قد سبقت خطوتها الثقيلة -وهي العجوز- رغبتي في الإقتراب منها .فاستغربت نفسي وتابعت أكلي وكأني أنصرف عما يدور في عقلي ثم تابعت نظري لتلك القبة الذهبية الشامخة وغرقت في بحر من التفكير في أموري. كانت الرياح باردة، والفجر مقدسيّ. فمنذ الصباح الباكر نفضت عني غطائي وهممت بالرحيل حيث يطيب السكن. أتيته- أقصاي- ليمسح بعض ألمي بين قبابه. هو الذي يشعرني أنه دومًا بانتظاري…فقد تأخرت السفر إليه لدقائق فاستعجلتني الحافلة وكأنها تنتظري! أخذت الطريق المعتاد الذي أحبه، من باب الأسباط مرورًا بالزاهري..ثم بباب العامود. كانت الشوارع خالية ولا دفء يعيد الحياة للمكان وقد غاب أصحابها. أين الذين كانت تضج بها أصواتهم؟ أين الصغار الذين يلعبون في صُبحها؟ أين الذين تهزهم أحزانها؟
كنت أسير في طيات نفسي وأنا أسير فيها، هي دائمًا تجعلني أتوه في التعبير - قُدسي- قبابها أفقي الذي أحلق فيه ،أرضها وردي وروحها نفسي. لم أفق من شاردي بين نفسي وبينها إلا عند وصولي لبائع الزيتون الأسود الذي ألفته من عنده فاشتريت منه وتابعت دربي. مررت ألملم ذكرياتي من على طرفي أزقة السوق الذي عشت فيه عمرًا حتى ألفت بائعيه وأهله وكأن طفولتي بدأت هناك وليس بين يدي أبي. اشتريت الحلويات للأطفال وبعض الكتب وجلبابًا جديدًا ثم عند مدخل باب حطة وقفت لآخذ فطوري من أحد الباعة كما اعتدت ذلك في كل مرة. دخلت الأقصى ودخلت روحي بعالم ربانيّ لتغتسل من أدران الدنيا…أحزانها وأشغالها وهمومها. صعدت إلى ساحة قبة الصخرة متوجهة إلى المكان الذي ألفت الجلوس فيه. وضعت حاجياتي واسترحت ثم شعرت بالجوع بعد هذه الرحلة الطويلة. وبينما كنت أهم بتناول أكلي رأيتها - هي صاحبة الحكاية - تمشي. فراح بصري ينتقل منها إلى أخرى لكنه يعود إليها بتمعن شديد. لا أدري ما الذي تحرك بقلبي تجاهها هي فأتت إليّ مهرولة. ألقت التحية وجلست على بعد خطوات. كسرتُ خاطري بذلك الساندويش المحبب إليّ وتابعت نظري إلى القبة، فجأة سمعتها تهذي فتوقفت عن الأكل لأدقق فيما تقول هذه المرأة التي أشغلت خاطري وهي تبحث في كيس معها عن شيء لم أدري ما هو. _هل معكِ كسرة خبز؟ هكذا سألت إحدى اللواتي مررن من أمامها. اقشعر قلبي قبل أن يقشعر بدني وكأن ذلك الإنسان في داخلي قد انتفض من نومه فأزاح كومة من الأدران عن قلبي بيقظته الشديدة! كسرة خبز!! تبحث عن كسرة خبز!! _ “حلت البركة فيكِ…يا ميت مرحبا…ع حسابك يا حجة”. ناولتها الأخرى ما معها من طعام، وكأنها تعتذر إليها بكلامها الرقيق وتقول: مثلي مثلكِ..لكن لكِ مني ما عندي لعل البركة تحل علينا. لقد أثر فيّ هذا المشهد، يا سبحان الله…ما أجمل هذه الروح الإنسانيّة والفطرة الحيّة حين تتحرك لبعضنا البعض.حاولت أن أمضغ اللقمة في فمي وكم كانت صعبة شعرت أنها مُحرمة عليّ بعد الآن! فتوقفت يدي عن حمل ما تبقى منه وصرت أفكر: هو كل ما أملك من طعام، فهل اعود للسوق لأشتري لها واحدًا تتناوله أم أعطيه لها. لكن خفت ألّا أجدها فأروح عن نفسي حسنة كهذه، رجوت الله أن يعوضني خيرًا ثم تقدمت إليها وقلت لها: تفضلي يا حاجة، أنا شبعت فهل تأخذيه مني أم أشتري لك واحدًا آخر. قالت لي مبتسمة ابتسامة الأمل تجرحهها الكرامة: آخذه…آخذه. وبدأت تدعو بالخير. تناولته ووضعته مع حاجياتها لكنها نسيت أن تفلت يديّ من يديها. شعرت بقشعريرة من جديد تسري فيها روحٌ إنسانيّة اشتقتها. ربطتْ على كتفي بلطف طالبة أن أجلس معها، شعرت حينها أنها جدة حبيبة كجدي الذي توفاه الله حديثًا. سألتني عن اسمي فأجبتها ثم قلت لها ما قصتك؟ تنهدت عميقًا عميقًا ثم قالت: آآآآآآآآآآآآآآآآآآه….صدري يوجعني من شدة الألم! كسرت قلبي بكلماتها هذه، فقلت لها:إحكي لي. تزوجتْ كبيرًا في السن قبل أكثر من عشرون عامًا ويبدو أنها نسيت أن تذكر كما هي حواء دائماً أنها أيضًا تزوجت كبيرة. لها أربعة أولاد أصبحوا أيتام الأب وأيتام الوطن. فلا هوية لهم ،أباهم مقدسي وأمهم من مهجري اللد. فتشردوا كما تشردت هي في مؤسستين واحدة للأولاد وأخرى للبنات وبقيت هي خارج الحدود، حدود الزمان، حدود المكان، حدود القلب وحدود الرعاية! تلفعت بالسواد وأسدلته على فصل حياتها الأخيرة تعيش حياتها بلا زوج، بلا أهل…بلا مال. سقطت من عيني دموعًا لم تحدث وقعًا من شدة التجمد. كان مشهدًا يصور معنى الحرمان الذي صنعه وأخرجه الفقر. فتلاشى معنى الشقاء من ذهني أمام حكايتها وقلت لنفسي: إن حزني فرحًا عندها!! بادرتها بالسؤال: كيف أساعدك؟ أخذت توزع ورود ابتسامتها وكأني قد منحتها أملًا جديدًا وما أنا كذلك! فأعادت سؤالي من جديد مرتين: كيف تساعديني؟ كيف تساعديني؟ وكأنها تصفعني: ألا تدرين كيف يُساعد الفقير المحروم؟! أما زلت تتساءلين؟ ألا تدركين؟! شعرت بالخجل من سؤالي، لكني كنت أعني سؤالاً آخر، أين سأجدك لأساعدك؟ قالت: تساعديني بأكل أو ملبس، أو حتى خبز أو أي شيء أدبر به أمري مع أولادي. أيا وليتاه!! رحماك ربي…هل تجمعين كسرة الخبز للأولاد أيضًا؟! ثم تابعت: تساعديني بشاقل..باثنين…بما تستطيعين..سيكفيني! حينها شعرت أني أبتلع جمرة من الألم، تبًا لي كيف أعيش وهي تموت !!! ناولتها ما كان معي بعد أن كُسرت نفسي لا كرامتها، بشحي وبخلي وتفريطي بحقها واتفقت معها أن التقيها من جديد. استأذنتها فودعتني قائلة: قلبي معكِ! لماذا تقولها هي بكل انسانية وصدق شعرتُ به، ويبخل بها من يملك المأكل والمشرب والملبس؟! ربما لأنها محرومة من كل شيء.. إلا من إنسانياتها ومشاعرها ونبلها وطيب روحها ودفء قلبها. لعلها تصل بحرمانها إلى ربها…راضية مرضية. ويبقى السؤال كيف سنصل نحن؟! نحن الذين نُخلد الحياة الدنيا..بزخرفها ومأكلها ومشربها فيموت فينا الإنسان فهلّا بصدقة تحيينا…لنحيي بها أرملة تموت تحت أقدام الزمان؟!
السبت, 01 ديسمبر, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية























من المملكة العربية السعودية
ملاك الروح
نص جيد .. وتسلسل رائع لسياق القصة
جزاك الله ألف خير لإلتفاتتك الرائعة لهذه الفئه التي تحتاج منا للتعاون معها ولكل منهم على شاكلتهم أعاننا الله وإياهم على معايشة هذه الحياة
سعيد جداً لمروري من هنا ..
ويشرفني دعوتك لمدونتي ..
alsafer35@hotmail.com